الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
252
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن يكون بدلا من فَآخَرانِ أو من الضمير في يَقُومانِ أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هما الأوليان . ونكتة التعريف هي هي على الوجوه كلّها . وقرأ حمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف ، الأولين - بتشديد الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون التحتية - جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدّم والمبتدأ به . فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي حيث استحقّ الموصى له الوصية من مال التركة الذي كان للأولياء ، أي الورثة لولا الوصية ، وهو مجرور نعت ( للذين استحقّ عليهم ) . وقرأ حفص عن عاصم اسْتَحَقَّ - بصيغة البناء للفاعل - فيكون الْأَوْلَيانِ هو فاعل اسْتَحَقَّ ، وقوله فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ تفريع على قوله يَقُومانِ مَقامَهُما . ومعنى لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أنّهما أولى بأن تقبل شهادتهما من اللذين عثر على أنّهما استحقّا إثما . ومعنى أَحَقُّ أنّها الحقّ ، فصيغة التفضيل مسلوبة المفاضلة . وقوله وَمَا اعْتَدَيْنا توكيد للأحقّيّة ، لأنّ الأحقّية راجعة إلى نفعهما بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان ، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت باطلا واعتداء منهما على مال مبلّغي الوصية . والمعنى : وما اعتدينا على الشاهدين في اتّهامهما بإخفاء بعض التركة . وقوله إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي لو اعتدينا لكنّا ظالمين . والمقصود منه الإشعار بأنّهما متذكّران ما يترتّب على الاعتداء والظلم ، وفي ذلك زيادة وازع . وقد تضمّن القسم على صدق خبرهما يمينا على إثبات حقّهما فهي من اليمين التي يثبت بها الحقّ مع الشاهد العرفي ، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في الشاهدين اللذين يبلّغان الوصية . والكلام في « إذن » هنا مثل الكلام في قوله : إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ . والمعنى أنّه إن اختلّت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء كان الموصى له واحدا أم متعدّدا . وإنّما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة للقضية التي نزلت فيها ، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء ، فإنّ ورثة صاحب التركة كانا اثنين هما : عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة ، وكلاهما من بني سهم ، وهما موليا بديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام . فبعض المفسّرين يذكر أنهما موليا بديل . وبعضهم يقول : إنّ مولاه هو عمرو بن العاصي . والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أنّ له ولاء من بديل ، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين . فإن كان صاحب